الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
230
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يحاولون أن يصيروها عوجاء لأنهم يريدون أن يتبع النبي صلى اللّه عليه وسلم دينهم ويغضبون من مخالفته إياه . وهنا انتهى كلام الأشهاد لأن نظيره الذي في سورة الأعراف [ 44 ] في قوله : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الآية انتهى بما يماثل آخر هذه الآية . واختصت هذه الآية على نظيرها في الأعراف بزيادة ( هم ) في قوله : هُمْ كافِرُونَ وهو توكيد يفيد تقوّي الحكم لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم البعث وتقريره إشعارا بما يترقبهم من العقاب المناسب فحكي به من كلام الأشهاد ما يناسب هذا ، وما في سورة الأعراف حكاية لما قيل في شأن قوم أدخلوا النار وظهر عقابهم فلا غرض لحكاية ما فيه تأكيد من كلام الأشهاد ، وكلا المقالتين واقع وإنما يحكي البليغ فيما يحكيه ما له مناسبة لمقام الحكاية . [ 20 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 20 ] أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ( 20 ) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ . استئناف بياني ناشئ عن الاقتصار في تهديدهم على وصف بعض عقابهم في الآخرة فإنّ ذلك يثير في نفس السامع أن يسأل : هل هم سالمون من عذاب الدنيا . فأجيب بأنهم لم يكونوا معجزين في الدنيا ، أي لا يخرجون عن مقدرة اللّه على تعذيبهم في الدنيا إذا اقتضت حكمته تعجيل عذابهم . وإعادة الإشارة إليهم بقوله : أُولئِكَ بعد أن أشير إليهم بقوله : أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ [ هود : 18 ] لتقرير فائدة اسم الإشارة السابق . والمعنى : أنهم يصيرون إلى حكم ربهم في الآخرة ولم يكونوا معجزيه أن يعذبهم في الدنيا متى شاء تعذيبهم ولكنه أراد إمهالهم . والمعجز هنا الذي أفلت ممّن يروم إضراره . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في سورة الأنعام [ 134 ] . والأرض : الدنيا . وفائدة ذكره أنهم لا ملجأ لهم من اللّه لو أراد الانتقام منهم فلا يجدون موضعا من الأرض يستعصمون به . فهذا نفي للملاجئ والمعاقل التي يستعصم فيها الهارب . وعندي أنّ مقارنة ( في الأرض ) ب ( معجزين ) جرى مجرى المثل في القرآن